أحمد بن حجر الهيتمي المكي
40
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
ما فعله أبو بكر رضي الله عنه وأنه لا شبهة فيه بوجه من الوجوه وأنه الحق الصدق الذي لا يشوبه أدنى شائبة تعصب ولا حمية وأن من خالف في ذلك فهو كاذب جاهل أحمق معاند لا يعبأ الله به ولا بقوله ولا يبالي به في أي واد هلك نسأل الله السلامة في العقل والدين ولا يقال أقر أبو بكر أمهات المؤمنين في حجرهن وكان يتعين صرفها للفقراء كما فعل في فدك وكيف استجاز هو وعمر أن يدفنا معه مع قوله تعالى لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ولم دفع لعلي بغلة رسول الله وسيفه وهو لا تحل له الصدقة ولم كان أبو بكر وعمر يعطيان عائشة في كل سنة عشرة آلاف درهم وهل هذه إلا محاباة إذ هو فاضل عن نفقتها المرتبة في تركة رسول الله من فدك وغيرها لأنا نقول الجواب عن الأول أن الحجر ملكهن واختصاصهن بدليل وقرن في بيوتكن إذ يحتمل أنه قسمها بينهن في حياته فلم يجز إخراجهن منها كما لم تخرج فاطمة من حجرتها أو أنه رأى الصلاح في إقرارها بأيديهن كيد فاطمة على حجرتها ولأنهن في حكم المعتدات لبقاء تحريمهن ولهذا قال ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي فهو صدقة فاستثناء نفقتهن صريح فيما قلناه وعن الثاني أنه بان أن حجرة عائشة ملكها أو اختصاصها ولم يدفنا إلا بإذنها ولهذا استأذنها عمر في ذلك ثم أوصى أن تستأذن بعد موته خوفا أنها لم تأذن أولا إلا حياء منه وأيضا فالرأي في الحجر كما كان له في حياته يكون لخليفته بعده فيحتمل أنهما أرادا ذلك لمصلحة رأياها كدفن ظالم ثم أو أنه أذن لهما في ذلك في حياته أو أشار إليه كما في قصة بئر اريس ووضع أحجار مسجد قباء وغيرهما وقد أشار إليه بكونهما كانا أقرب الناس مكانا له وأكثر ملازمة ومن ثم قال علي لما دخل على عمر حين وضع على سريره رضي الله عنهما يرحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرا ما كنت اسمع رسول الله يقول كنت أنا وأبا بكر وعمر وفعلت أنا وأبا بكر وعمر وانطلقنا أنا وأبو بكر وعمر وإني كنت لأرجو الله أن يجعلك معهما وقد أوصى الحسن رضي الله عنه أن يدفن معهم فمنعه من ذلك مروان وغيره فما أجابوا به عنه كان جوابنا وعن الثالث أنه لم يدفع ذلك لعلي ميراثا ولا صدقة لما مر بل بطريق الوصية منه إليه على ما ورد وعلى فرض عدم الوصية فيحتمل أنه دفعهما إليه عارية أو نحوها ليستعين بهما في الجهاد ولتميزه عن غيره بالشجاعة العظمى أوثر بذلك ويحتمل أن غيره اشترى ذلك ودفعه إليه والصدقة لا تحرم عليه نفلها وأما البردة التي كانت بيد الخلفاء فليست من مخلفه وإنما هي التي كساها كعب بن زهير لما أنشده بانت سعاد فاشتراها معاوية منه واستمر الخلفاء يتوارثونها وعن الرابع أن بر أمهات المؤمنين واجب على كل أحد والإمام أولى بذلك على أنه إنما يتوجه أن لو خصا عائشة وحفصة بذلك وليس كذلك بل أعطياه لكل منهن على أن عليا كان يفعله فإن توجه إليهما به عتب توجه إليه كعثمان بل استزادت عائشة عليا فمنعها بقوله لا أزيدها على ما كان يدفع إليها عمر وأدل دليل وأقواه على أن عليا لم يكن معتقدا أن رسول الله يورث وأن الشيخان ظلما أنه لما ولي وصار مخلف رسول الله بيده لم يغير شيئا مما فعلاه ولم يقسم لبني العباس ولا لأمهات المؤمنين منها ولا لأولاده من فاطمة نصيبهم منها مما ورثته فدل ذلك دلالة قطعية على أن اعتقاده موافق لاعتقادهما كبقية الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تنبيه لا يعارض قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث قوله تعالى وورث سليمان داود لأن المراد ليس وراثة المال بل النبوة والملك ونحوهما بدليل اختصاص سليمان بالإرث مع أن له تسعة عشر أخا فلو كان المراد المال لم يختص به سليمان وسياق علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء قاض بما ذكرناه ووراثة العلم قد وقعت في آيات منها ثم أورثنا الكتاب فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وقوله تعالى فهب لي من لدنك وليا يرثني لأن المراد ذلك فيها أيضا بدليل وإني خفت الموالي من ورائي أي أن يضيعوا العلم والدين وبدليل من آل يعقوب وهم أولاده الأنبياء على أن زكريا لم يحك أحد أنه كان له مال حتى يطلب ولدا يرثه ولو سلم فمقام النبي يأبى طلب ذلك إذ القصد بالولد إحياء ذكر الأب والدعاء له وتكثير سواد الأمة فمن طلبه لغير ذلك كان ملوما سيما إن قصد به حرمان عصبته من إرثه لو لم يوجد له ولد الشبهة الثامنة زعموا أن النبي نص على الخلافة لعلي إجمالا قالوا لأنا نعلم قطعا وجود نص جلي وإن لم يبلغنا لأن عادته في حياته قاضية بالاستخلاف على المدينة عند غيبته عنها حتى لا يتركهم فوضى أي متساوين لا رئيس لهم فإذا لم يخل بذلك في حياته فبعد وفاته أولى وجوابها مر مبسوطا في الفصل الرابع بأدلته ومنه إنما ترك ذلك لعلمه بأن الصحابة يقومون به ويبادرون إليه لعصمتهم عن الخطأ اللازم لتركهم لهومن ثم لم ينص على كثير من الأحكام بل وكلها إلى آراء مجتهديهم على أنا نقول انتفاء النص الجلي معلوم قطعا وإلا لم يمكن ستره عادة إذ هو مما تتوفر الدواعي على نقله وأيضا لو وجد نص لعلي لمنع به غيره كما منع أبو بكر مع أنه أضعف من علي عندهم الأنصار بخبر الأئمة من قريش فأطاعوه مع كونه خبر واحد وتركوا الإمامة وادعاءها لأجله فكيف حينئذ يتصور وجود نص جلي بتعين علي وهو بين قوم لا يعصون خبر الواحد في أمر الإمامة وهم من الصلابة في الدين بالمحل الأعلى بشهادة بذلهم الأنفس والأموال ومهاجرتهم الأهل والوطن وقتلهم الأولاد والآباء في نصرة الدين ثم لا يحتج علي عليهم بذلك النص الجلي بل ولا قال أحد منهم عند طول النزاع في أمر الإمامة ما لكم تتنازعون فيها والنص الجلي قد عين فلانا لها فإن زعم زاعم أن عليا قال لهم ذلك فلم يطيعوه كان جاهلا ضالا مفتريا منكرا للضروريات فلا يلتفت إليه وأما الخبر الآتي في فضائل علي أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أنشد الله من شهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم رجل يقول نبئت أو بلغني إلا رجل سمعت أذناه ووعاه قلبه فقام سبعة